علي بن محمد البغدادي الماوردي

321

أدب الدنيا والدين

فأجابه عن استخباره بما يوافقه مساعدة لغرضه وتقربا من قلبه وإلّا فليس لأحد أن يجعل جواب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مزحا لأن المزح هزل ومن جعل جواب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المبين عن اللّه عز وجل أحكامه المؤدي إلى خلقه أوامره هزلا ومزحا فقد عصى اللّه ورسوله وصهيب كان أطوع للّه سبحانه وتعالى من أن يكون بهذه المنزلة فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا سابق العرب وصهيب سابق الروم وسلمان سابق الفرس وبلال سابق الحبش » وليحذر أن يسترسل في ممازحة عدوّ فيجعل له طريقا إلى إعلان المساوئ هزلا وهو مجدّ ويفسح له في التشفي مزحا وهو محق . وقد قال بعض الحكماء : إذا مازحت عدوّك ظهرت عيوبك . وأما الضحك فإن اعتياده شاغل من النظر في الأمور المهمة مذهل عن الفكر في النوائب الملمة وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار . روى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه » . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ان الصغيرة الضحك . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : من كثر ضحكه قلت هيبته وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة « 1 » . وقيل في منثور الحكم : ضحكة المؤمن غفلة من قبله والقول في الضحك كالقول في المزاح إن تجافاه الإنسان نفر عنه وأوحش منه وإن ألفه كانت حاله ما وصفناه فليكن بدل الضحك عند الإيناس تبسما وبشرا . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : التبسم دعابة وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك الذي قد يكون استهزاء وتعجبا وليس ينكر منه المرة النادرة لطارئ استغفل النفس عن دفعه . هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أملك الخلق لنفسه قد تبسم حتى بدت نواجذه « 2 » وإنما كان ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلّم على الوجه الذي ذكرناه . ( الفصل السادس في الطيرة والفأل ) اعلم أنه ليس شيء أضرّ بالرأي

--> ( 1 ) مجة : مج الشراب من فيه : رماه . ( 2 ) نواجذه : جمع ناجذ وهي الأسنان الأربعة التي تحصل بعد البلوغ وعلى قول هي الأضراس .